الذهبي

609

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

المعتمد البحرَ إلى مَرّاكش مستنصرًا بيوسف بن تاشَفِين على الرُّوم ، فَلَقِيه أحسن لقاء ، وأسرع إجابته . وقال : أنا أوّل منتَدبٍ لنِصْرة الدّين . فرجع مسرورًا ، ولم يدرِ أنّ تدميره في تدبيره ، وسلَّ سيفًا عليه لا له . فأخذ ابن تاشَفِين في أُهْبة العبور إلى الأندلس ، واستنفر النّاس ، وعبر في سبعة آلاف فارس ، سوى الرّجّالة ، ونزل الجزيرة الخضراء ، وتلقّاه المعتمد ، وقدَّم له تُحَفًا جليلة ، وسأله أن يدخل إشبيلية ، فامتنع وقال : نريد الجهاد ، ثمّ سار بجيوشه إلى شرقيّ الأندلس . وكان الأدفونش - لعنه الله - يحاصر حصنًا ، فرجع إلى بلاده يستنفر الفرنج ، وتلقّى ابن تاشَفِين ملوك الأندلس الّذين كانوا على طريقه كصاحب غَرْناطة ، وصاحب المَرِيّة ، وصاحب بَلَنْسِيَة ، ثمّ استعرض جُنْدَه على حصن لُورَقَة ، وقال للمعتمد : هَلُمَّ ما جئنا له من الجهاد . وجعل يصغّر قدر الأندلس ويقول : في أوقاتٍ كان أمر هذه الجزيرة عندنا عظيمًا ، فلمّا رأيناها وقعت دون الوصف . وهو في ذلك كله يُسِرُّ حسواً في ارتغاء . فسار المعتمد بين يديه ، وقصد طُلَيْطُلَة ، فتكامل عدد المسلمين زُهاء عشرين ألفًا ، فالتقوا هم والعدوّ بأوّل بلاد الرّوم - لعنهم الله - وجاء الأدفونش - لعنه الله - في جيشٍ عظيم بمرّة ، فلمّا رآهم يوسف قال للمعتمد : ما كنت أظن هذا الخنزير يبلغ هذا الحدّ . فالتقوا في ثاني عشر رمضان ، وصبر البربر ، وأبلوا بلاءً حَسَنًا ، وهزم الله النَّصارى ، وكانت ملحمة مشهودة . ونجا الأدفونش في تسعةٍ من أصحابه . وتُسمَّى هذه وقعة الزّلّاقة . ففرح أهل الأندلس بالبربر ، وتيمَّنوا بهم ، ودعوا لابن تاشَفِين على المنابر ، فقوي طعمه في الأندلس . وقد كانت الفرنج تأخذ الإتاوة من ملوكها قاطبة . ثمّ جال ابن تاشَفِين في الأندلس على سبيل التَّفرُّج ، وهو يُضْمر أشياءً ، ويُظْهر إعظام المعتمد ويقول : إنّما نحن في ضيافته ، وتحت أمره . وكان المعتصم محمد بن مَعْن بن محمد بن صُمادِح ، صاحب المَرِيّة ، يحسد المعتمد ، فداخَلَ ابنَ تاشَفِين ، وحظي عنده ، فأخذ يعيب المعتمد ، وقدَّم لابن تاشَفِين هدايا فاخرة ، ولم يدرِ ابن صُمادِح أنّه يسقط في البئر الّذي حَفَر . وأعانه جماعةٌ على تغيير قلب ابن تاشَفِين بقول الزُّور ، وبأنّه يَتَنَقَّصَك . فعبرَ إلى بلاده مُرّاكش . وفهِم المعتمد أنّه قد تغيّر عليه . ثمّ اتّفق رأي ابن